فصل: 239- قولهم في معنى أنه تعالى متكلم:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين (نسخة منقحة)



.238- اختلافهم في الكريم: أهو من صفات الذات أم من صفات الفعل؟

واختلف البغداديون في القول: إن الله كريم هل هو من صفات الذات أو من صفات الفعل؟.
1- فقال عيسى الصوفي: الوصف لله بأنه كريم من صفات الفعل والكرم هو الجود.
وكان إذا قيل له: فتقول: إن القديم لم يزل غير كريم؟ قال: هذا لا يلزمني كما لا يلزمني إذا كان الإحسان والعدل من صفات الفعل أن أقول: لم يزل البارئ غير صادق ولا عادل ولا محسن لأن ذلك يوهم الذم فكذلك وإن كان الكرم فعلًا فإني لا أقول أن الله لم يزل غير كريم.
2- وكان الإسكافي يقول: كريم يحتمل وجهين: أحدهما صفة فعل إذا كان الكرم بمعنى الجود والآخر صفة نفس إذا أريد به الرفيع العالي على الأشياء بنفسه.
وحجته في ذلك أنه يقال: أرض كريمة يراد بذلك أي هي أرفع الأرضين ويقال: فرس رافع كريم.
3- وكان الجبائي يقول: كريم بمعنى عزيز من صفات الله لذاته وكريم بمعنى أنه جواد معط من صفات الفعل.
وكان إذا قيل له: إذا قلت أن الإحسان فعل فقل أن الله- سبحانه- لم يزل غير محسن! قال: أقول غير محسن ولا مسيء حتى يزول الإيهام ولم يزل غير عادل ولا جائر ولم يزل غير صادق ولا كاذب وكذلك لم يزل غير حليم ولا سفيه وكذلك يقول: لم يزل لا خالق ولا رازق.
4- والمعتزلة كلها إلا عبادًا يقولون: إن الوصف لله بأنه رحمان وأنه رحيم من صفات الفعل.
وكان عباد يقول: لم يزل الله رحمانًا.
5- وكان حسين النجار يزعم أن الله لم يزل جوادًا بنفي البخل عنه لا على أنه أثبت جودًا.
6- وكافة المعتزلة يقولون: إن الوصف لله بأنه حليم جواد كريم محسن صادق خالق رازق من صفات الفعل.
والبغداديون يقولون: إن الوصف لله بأنه حليم معناه أنه ناه عن السفه كاره له.
7- وكثير من البغداديين يعبرون في الصفات وفي معنى القول: إن الله عالم قادر بعبارة وكذلك قول النظام.
8- وفي البغداديين من يقول: لله علم بمعنى أنه عالم وله قدرة بمعنى أنه قادر ولا يقولن له حياة بمعنى أنه حي وله سمع بمعنى أنه سميع لأن الله- سبحانه- أطلق العلم والقوة ولم يطلق الحياة والسمع.
9- ومنهم من يقول: لله علم بمعنى معلوم كما قال: {وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} [البقرة: 255] أي من معلومه وله قدرة بمعنى مقدور كما يقول المسلمون إذا رأوا المطر: هذه قدرة الله بمعنى مقدوره.
والمعتزلة تفرق بين صفات الذات وصفات الأفعال بأن صفات الذات لا يجوز أن يوصف البارئ بأضدادها ولا بالقدرة على أضدادها كالقول عالم لا يوصف بالجهل ولا بالقدرة على أن يجهل وصفات الأفعال يجوز أن يوصف البارئ- سبحانه- بأضدادها وبالقدرة على أضدادها كالإرادة يوصف البارئ بضدها من الكراهة وبالقدرة على أن يكره وكذلك الحب يوصف البارئ بضده من البغض وكذلك الرضى والسخط والأمر والنهي والصدق قد يوصف البارئ بالقدرة على ضده من الكذب وإن لم يوصف بالكذب وقد يوصف بالمتضاد من كلامه كالأمر والنهي وكل اسم اشتق للبارئ من فعله كالقول متفضل منعم محسن خالق رازق عادل جراد وما أشبه ذلك فهو من صفات الفعل وكذلك كل اسم اشتق للبارئ من فعل غيره كالقول معبود من العبادة وكالقول مدعو من دعاه غيره إياه فليس من صفات الذات وكل ما جاز أن يرغب إلى البارئ فيه ليس من صفات الذات.
وقالت المعتزلة بأسرها: أن الوصف لله- سبحانه- بأنه مريد من صفات الفعل إلا بشر بن المعتمر فإنه زعم أن الله لم يزل مريدًا لطاعته دون معصيته.
وزعم جماعة من البغداديين من المعتزلة أن الوصف لله بأنه مريد قد يكون بمعنى أنه كون الشيء والإرادة لتكوين الشيء هي الشيء وقد يكون الوصف لله بأنه مريد للشيء بمعنى أنه أمر بالشيء كنحو الوصف له بأنه مريد بمعنى أنه حاكم بالشيء مخبر عنه وكنحو إرادته الساعة أن تقوم القيامة في وقتها ومعنى ذلك أنه حاكم بذلك مخبر عنه وهذا قول إبراهيم النظام.
وقال أبو الهذيل: إرادة الله- سبحانه- لكون الشيء هي غير الشيء المكون وهي توجد لا في مكان وإرادته للإيمان غيره وغير الأمر به وهي مخلوقة ولم يجعل الإرادة أمرًا ولا حكمًا ولا خبرًا.
وإلى هذا القول كان يذهب محمد بن عبد الوهاب الجبائي إلا أن أبا الهذيل كان يزعم أن الإرادة لتكوين الشيء والقول له: كن خلق للشيء.
وكان الجبائي يقول: إن الإرادة لتكوين الشيء هي غيره وليست بخلق له ولا جائز أن يقول الله- سبحانه- للشيء كن وكان يزعم أن الخلق هو المخلوق.
وكان أبو الهذيل لا يثبت الخلق مخلوقًا.
وكان بشر بن المعتمر يقول: خلق الشيء غيره ويجعل الإرادة خلقًا له وينكر قول أبي الهذيل: إن الخلق إرادة وقول وكان ينكر القول.
وكان أبو الهذيل يقول: إن الخلق الذي هو إرادة وقول لا يقال أنه مخلوق إلا على المجاز وخلق الله- سبحانه- للشيء مؤلفًا الذي هو تأليف وخلقه للشيء ملونًا الذي هو لون وخلقه للشيء طويلًا الذي هو طول مخلوق في الحقيقة.
وكان أبو موسى الدردار يقول: خلق الشيء غيره وهو مخلوق لا بخلق.
وحكى زرقان أن بشر بن المعتمر قال: خلق الشيء غيره وهو قبله وأن معمرًا قال: خلق الشيء غيره وهو قبله وللخلق خلق إلى ما لا نهاية له وهي كلها معًا وأن هشام بن الحكم قال: خلق الشيء صفة له لا هو هو ولا غيره.
وقال الفوطي: ابتداء ما يجوز أن يعاد غيره وابتداء ما لا يجوز أن يعاد هو هو.
وقال عباد: خلق الشيء غير الشيء وهما معًا وخطأ من قال: الخلق غير المخلوق ومن قال: خلق الشيء غيره لأن القول مخلوق خبر عن شيء وخلق وإذا قلت: (خلق الشيء غيره) أوهم هذا ولم يقل أحد أن الخلق إرادة وقول غير أبي الهذيل.
وقال عبد الله بن كلاب: لا يخلق الله شيئًا حتى يقول له كن وليس القول خلقًا.
وزعمت المعتزلة كلها غير أبي موسى الدردار أنه لا يجوز أن يكون الله- سبحانه- مريدًا للمعاصي على وجه من الوجوه أن يكون موجودًا ولا يجوز أن يأمر بما لا يريد أن يكون وأن ينهى عما يريد كونه وأن الله- سبحانه- قد أراد ما لم يكن وكان ما لم يرد وأنه قادر على المنع مما لا يريد وأن يلجئ إلى ما أراد.
وقال أبو موسى فيما حكى عنه أبو الهذيل: إن الله- سبحانه- أراد المعاصي بمعنى أنه خلى بين العباد وبينها.
وقالت المعتزلة كلها غير بشر وعباد: إن الله- سبحانه- لم يزل غير مريد لما علم أنه يكون ثم أراده.
وقال عباد: لا يجوز أن يقال: لم يزل مريدًا ولا يجوز أن يقال: لم يزل غير مريد والوصف له بأنه مريد من صفات الفعل عنده.
وقال بشر بن المعتمر ومن ذهب مذهبه: إرادة الله غير الله والإرادة على ضربين: إرادة وصف بها وهي فعل من فعله وإرادة وصف بها في ذاته وأن إرادته الموصوف بها في ذاته غير لاحقة بمعاصي خلقه وجوز وقوعها على سائر الأشياء.
وقالت: الفضلية وهم أصحاب فضل الرقاشي: إن أفعال العباد لا يقال: إن الله- سبحانه- أرادها إذا لم تكن ولا يقال: لم يردها فإن كانت جاز القول بأنه أرادها فما كان من فعلهم طاعة قيل: أراده الله- سبحانه- في وقته وإن كان معصية قيل لم يرده.
وأجاز القول: إن الله يريد أمرًا فلا يكون وجوز أن يكون ما لا يريد وأنكر أن يكون الله- سبحانه- يريد أن يطيعه الخلق قبل أن يطيعوه أو يريد أن لا يعصوه قبل أن يعصوه وكل ما كان من فعل الله فإنه قد يكون إذا أراده وإن لم يرده لم يكن وجوز أن يفعل الله الأمور وإن لم يردها وقد حكي نحو هذا عن غيلان.
واختلفت المعتزلة فقال جعفر بن حرب: قد يجوز القول بأن الله-
سبحانه- أراد الكفر مخالفًا للإيمان وأراد أن يكون قبيحًا غير حسن ويكون المعنى أنه حكم بذلك كما قلت أنه جعل الكفر مخالفًا للإيمان وجعله قبيحًا.
وأبى ذلك سائر المعتزلة وقالوا: لم نقل أن الله جعل الكفر مخالفًا للإيمان قياسًا وإنما قلناه إتباعا فليس يلزمنا أن نقيس عليه وقول القائل: أراد أن يكون الكفر قبيحًا مخالفًا للإيمان ليس يقع إلا على الكفر لأنه ليس هناك مخالفة ولا قبح وهذا إذا كان هكذا فقد أوجب القائل أن الله- سبحانه- أراد الكفر بوجه من الوجوه.
وكل المعتزلة إلا الفضلية أصحاب فضل الرقاشي يقولون: إن الله- سبحانه- يريد أمرًا ولا يكون وأنه يكون ما لا يريد.
وقال معمر: إرادة الله- سبحانه- غير مراده وهي غير الخلق وغير الأمر والإخبار عنه والحكم به.
وقال حسين النجار: إن الله لم يزل مريدًا أن يكون ما علم أنه يكون وأن لا يكون ما علم أنه لا يكون بنفسه لا بإرادة بل بمعنى أنه لم يزل غير آب ولا مكره.
وقال سليمان بن جرير وعبد الله بن كلاب: إن الله- سبحانه- لم يزل مريدًا بإرادة يستحيل أن يقال هي الله أو يقال هي غيره.
وقال ضرار بن عمرو: إرادة الله- سبحانه- على ضربين: إرادة هي المراد وإرادة هي الأمر بالفعل وزعم أن إرادته لفعل الخلق هي فعل الخلق وإرادته لفعل العباد هي خلق فعل العباد وخلق فعل العباد هو فعل العباد وذلك أنه كان يزعم أن خلق الشيء هو الشيء.
وقال بشر المريسي وحفص الفرد ومن قال بقولهما: إرادة الله على ضربين: إرادة هي صفة له في ذاته وإرادة هي صفة له في فعله وهي غيره فالإرادة التي زعموا أنها صفة لله- سبحانه- في فعله وأنها غيره هي أمره بالطاعة والإرادة التي ثبتوها صفة لله في ذاته واقعة على كل شيء سوى الله من فعله وفعل خلقه.
وقال هشام بن الحكم وهشام الجواليقي وغيرهما من الروافض: إرادة الله- سبحانه- حركة وهي معنى لا هي الله ولا غيره وأنها صفة لله وذلك أنهم زعموا أن الله إذا أراد الشيء تحرك فكان ما أراد تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
ووصف أكثر الروافض ربهم بالبداء وأنه يريد الشيء ثم يبدو له فيريد خلافه وذلك أنه يتحرك حركة لخلق شيء ثم يتحرك خلاف تلك الحركة فيكون ضد ذلك الشيء ولا يكون الذي أراده قبل.
وقال أبو مالك الحضرمي وعلي بن ميثم: إرادة الله غيره وهي حركة يتحرك بها تعالى الله عما قالوه.

.239- قولهم في معنى أنه تعالى متكلم:

وأما القول في البارئ: أنه متكلم فقد اختلفت المعتزلة في ذلك.
1- فقال عباد بن سليمان: لا أقول أن البارئ متكلم وأقول: أنه مكلم وهذا خلاف إجماع المسلمين وزعم أن متكلم متفعل فيلزمه أن لا يقول أن البارئ متفضل لأن متفضل متفعل ولا يقول قيوم لأن قيوم فيعول.
2- وقال أكثر المعتزلة إلا من قال منها بالطباع: إن كلام الله- سبحانه- فعله وأن لله كلامًا فعله وأنه محال أن يكون الله- سبحانه- لم يزل متكلمًا.
3- وقال بعض مشايخ المعتزلة: إن الله- سبحانه- لم يخلق الكلام إلا على معنى أنه خلق ما أوجبه وأن الله لا يكلم أحدًا في الحقيقة ولا يفعل الكلام على التصحيح وأن كلام الله فعل الجسم بطباعه.
وحقيقة قول هؤلاء أنه لا كلام لله في الحقيقة وأن الله ليس بمتكلم في الحقيقة ولا مكلم وهذا قول معمر وأصحاب الطبائع.
4- وقالت شرذمة: إن الله لم يزل متكلمًا بمعنى أنه لم يزل مقتدرًا على الكلام وأن كلام الله محدث وافترقوا فرقتين: فقال بعضهم: مخلوق وقال بعضهم: غير مخلوق.
5- وقال ابن كلاب: إن الله لم يزل متكلمًا والكلام من صفات النفس كالعلم والقدرة وسنذكر اختلاف الناس في القرآن بعد هذا الموضع من كتابنا.